اقتصاد الرماد: الحرب في السودان تحول الغابات إلى سلعة لفقراء النازحين - الخليج الان

مع تطورات جديدة اقتصاد الرماد: الحرب في السودان تحول الغابات إلى سلعة لفقراء النازحين، نقدم لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشكل شامل ودقيق عن هذه التطورات ليوم الأربعاء 15 أبريل 2026 08:14 مساءً

Advertisements

في مطلع شهر يناير من عام 2023، كانت الحياة في العاصمة السودانية تنبض بالهدوء والجمال الطبيعي الأخاذ. كنا نقضي أوقاتاً ممتعة مع الأصدقاء في أحضان غابة السنط، تلك البقعة الساحرة التي تمتد كبساط أخضر على الضفة الشرقية للنيل الأبيض. كانت الغابة تمثل الملاذ الأخير لسكان المدينة المرهقين، وتعد تجسيداً حياً لما خلفته الطبيعة من إرث بيئي قبل اندلاع الحرب في السودان.

​وحسب تقرير ميداني لـ بي بي سي افقد كانت مئات العائلات تتوافد يومياً إلى هذا المكان الذي يمثل الرئة الحقيقية للعاصمة. كان الجميع يبحث عن لحظة صفاء تحت ظلال الأشجار الكثيفة، بينما يراقب المهتمون بالبيئة أسراب الطيور المهاجرة البيضاء. هذه الطيور كانت تحط رحالها في الغابة سنوياً لتقضي فترة استراحة طويلة، مما يضفي على المكان صبغة عالمية كونه محمية طبيعية وسط صخب المدينة.

​لكن هذا المشهد المطمئن لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدلت ملامح الحياة بشكل دراماتيكي ومفاجئ للجميع. ففي منتصف أبريل من العام نفسه، انفجر الصراع المسلح العنيف بين الجيش وقوات الدعم السريع ليعلن بداية مأساة مستمرة. لقد كانت تلك اللحظة هي الفاصلة في تاريخ البلاد الحديث، حيث تحولت الشوارع إلى ساحات للقتال والدمار الشامل. وقد أدت هذه الضغوط العسكرية إلى تغيير وجه الطبيعة السودانية للأبد.

​ومع اشتداد وطأة المعارك وتمدد رقعة العمليات العسكرية، اضطر معظم سكان الخرطوم إلى النزوح ومغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان. لم يكن البشر وحدهم من غادروا، بل إن الطيور المهاجرة استشعرت الخطر مبكراً وهجرت أعشاشها بسبب دوي الانفجار وأزيز الرصاص. لقد صمتت أصوات الطبيعة تماماً في منطقة الغابة، وحل محلها صوت الموت والدمار الذي خلفته تلك المواجهات الدامية التي لم ترحم أحداً في طريقها.

​وبعد مرور ثلاث سنوات على تلك الرحلة الجميلة، عدت إلى المكان لأجد واقعاً يصعب على العقل البشري استيعابه بسهولة. لقد صدمت عندما رأيت الغابة الكثيفة وقد تحولت إلى مساحة جرداء قاحلة لا حياة فيها ولا ظل يرتجى منها. الأشجار التي كانت تعانق السماء وتوفر الظل لمئات السنين، تعرضت لعمليات قطع جائرة وواسعة النطاق من قبل البشر. لقد كان المشهد جنازة صامتة لماضٍ أخضر جميل.

انقطاع سبل الحياة والبحث عن بدائل الطاقة

​إن هذا التدمير لم يكن بدافع التخريب المتعمد فحسب، بل كان نتيجة مباشرة لانعدام بدائل الحياة الأساسية للمواطنين الباقين. ومع استمرار الحرب في السودان، انقطعت إمدادات غاز الطهي تماماً عن معظم أحياء العاصمة وتوقفت محطات الكهرباء عن العمل. وجد السكان أنفسهم أمام خيارات مريرة للبقاء على قيد الحياة وتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة. لم يكن أمامهم سوى اللجوء إلى الأشجار لتوفير وقود الطهي.

​لقد تحولت الأشجار التاريخية في غابة السنط إلى أعواد من الحطب تستخدم في المواقد التقليدية لطهي الطعام اليومي. ولم يجد الجوعى والنازحون مفراً من التعدي على الغطاء النباتي الذي كان يمثل فخر العاصمة وبيئتها النظيفة لسنوات طويلة. فالحاجة الماسة للطاقة دفعت الناس إلى تجريد الغابة من هويتها الخضراء، وتحويل جذوعها إلى رماد يتطاير في سماء المدينة الملبدة بغيوم الصراعات المستمرة والفقر المدقع والنزوح الجماعي.

​ولم تقتصر هذه المأساة البيئية على غابة السنط وحدها، بل امتدت لتشمل العديد من المساحات الخضراء في الخرطوم. فالعاصمة السودانية تضم في جنباتها غابات متنوعة كانت تشكل حزاماً أمنياً ضد التغيرات المناخية والتصحر المستمر في المنطقة. واجهت هذه الغابات المصير نفسه من التدمير والقطع، وإن اختلفت وتيرة التدهور من منطقة إلى أخرى. لقد خسر السودان جزءاً أصيلاً من ثروته القومية والجمالية خلال هذه الفترة.

​وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة إلى وجود تسع عشرة غابة مسجلة رسمياً داخل حدود ولاية الخرطوم. يقع الجزء الأكبر من هذه الغابات على ضفتي النيل الأزرق والنيل الأبيض، مما يجعلها مناطق ذات أهمية بيئية فائقة. ومع استمرار النزاع المسلح، تعرضت هذه المساحات للتدمير المنهجي بفعل النشاط البشري الاضطراري. لقد أصبح الغطاء النباتي ضحية منسية في ظل التركيز العالمي على الجوانب العسكرية والإنسانية.

​إن غياب سلطة الدولة والقانون في تلك المناطق سمح بعمليات التعدي دون رقيب أو حسيب من الجهات المعنية. كما أن انعدام الأمن منع فرق حماية الغابات من أداء مهامها في مراقبة هذه المحميات الطبيعية الهامة. ونتيجة لذلك، أصبحت الغابات ساحة مفتوحة لكل من يبحث عن الحطب أو يريد ممارسة التجارة في الأخشاب. لقد فقدت الأرض قدرتها على التجدد في ظل هذه الهجمة البشرية الشرسة والاضطرارية.

ولاية سنار وصراع البقاء في الغابات الجنوبية

​وعند الانتقال إلى الجنوب، نجد أن ولاية سنار لم تكن بمنأى عن هذا التدهور البيئي الخطير والواسع. تشتهر سنار بكثافة غاباتها وتنوع أشجارها التي كانت توفر سبل العيش لآلاف الأسر السودانية عبر العصور المختلفة. ومع ذلك، شهدت هذه الولاية تدهوراً كبيراً في غطائها النباتي نتيجة تزايد عمليات قطع الأشجار بشكل غير مسبوق. لقد تسببت الحرب في السودان في نزوح الملايين نحو هذه المناطق الجنوبية.

​ومع تزايد أعداد النازحين وضيق سبل العيش، لجأ الكثيرون إلى تجارة الفحم كوسيلة وحيدة لكسب الرزق وإعالة أسرهم. لقد أصبح قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم تجارة رائجة في ظل غياب الوظائف والفرص الاقتصادية الأخرى في البلاد. ولم يكن أمام الناس خيار سوى استنزاف الموارد الطبيعية لضمان استمرار حياتهم وحياة أطفالهم. لقد تحولت الغابة من مصدر للحياة إلى مصدر للرزق القاسي والمرير.

​ومن بين هؤلاء المتضررين يبرز المواطن آدم إسحق، الذي يروي قصته بكثير من الألم والأسى على ما آلت إليه الأوضاع. أكد آدم أنه اضطر مرغماً إلى قطع الأشجار بصورة يومية لصناعة الفحم ومن ثم بيعه في الأسواق المحلية. يقول آدم إن المعيشة أصبحت صعبة جداً لدرجة لا يمكن وصفها بالكلمات العادية. لقد فرضت الظروف القاسية عليه سلوكاً لم يكن يتخيله يوماً تجاه البيئة المحيطة به.

​وأوضح آدم في حديثه أنهم يذهبون إلى الغابة بعد أن يتم فتحها وتأمينها بواسطة قوات الجيش السوداني المرابطة هناك. يقومون بقطع الأشجار الكبيرة ثم حرقها بطرق تقليدية لتحويلها إلى فحم يمكن بيعه للمواطنين في القرى والمدن. إن هذا العمل الشاق يمثل مصدر رزقهم الوحيد في ظل توقف كافة الأنشطة الاقتصادية الأخرى. ورغم إدراكهم لخطورة فعلهم على البيئة، إلا أن الجوع لا يترك مجالاً للتفكير.

​إن قصة آدم إسحق هي انعكاس لمأساة آلاف السودانيين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الجوع وسندان الحفاظ على الطبيعة. فالحرب لم تدمر المباني والمنشآت فحسب، بل دمرت العلاقة المتوازنة بين الإنسان وبيئته التي عاش فيها بسلام لقرون. إن فقدان الغطاء النباتي في سنار يعني تهديداً مباشراً للزراعة والمناخ في واحدة من أهم المناطق الإنتاجية في البلاد. وهذا ينذر بكارثة بيئية طويلة الأمد.

الآثار البيئية والمناخية للنزاع المسلح الطويل

​إن التبعات البيئية لعمليات القطع الجائر للأشجار لا تتوقف عند حدود توفير الحطب أو صناعة الفحم للاستهلاك المحلي. فإزالة الغابات تؤدي بشكل مباشر إلى تدهور التربة وزيادة معدلات التصحر في بلد يعاني أصلاً من زحف الرمال. وبسبب الحرب في السودان، فقدت الأرض حمايتها الطبيعية، مما يجعل العواصف الترابية أكثر حدة وتكراراً. وهذا يؤثر سلباً على صحة السكان وجودة الهواء الذي يتنفسونه في المدن المتضررة.

​كما أن فقدان الغابات يعني تدمير الموائل الطبيعية للكائنات الحية والحيوانات البرية التي كانت تستوطن هذه المناطق الخصبة. لقد اختفت أنواع كثيرة من النباتات والحيوانات التي كانت تشكل جزءاً من التنوع البيولوجي الفريد للسودان. إن استعادة هذا التوازن البيئي قد تستغرق عقوداً من الزمن، حتى لو توقفت العمليات العسكرية غداً. فنمو شجرة سنط واحدة يتطلب سنوات من الرعاية والظروف المناخية الملائمة التي افتقدتها البلاد.

​علاوة على ذلك، فإن الاعتماد الكلي على الفحم والحطب يزيد من انبعاثات الكربون الضارة ويساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري محلياً. فبدلاً من أن تكون الغابات مخزناً للكربون، تحولت إلى مصدر للتلوث نتيجة عمليات الحرق المستمرة لصناعة الفحم. وهذا التناقض البيئي يضع السودان في موقف صعب أمام الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المناخ. فالأزمة الإنسانية أصبحت تسير جنباً إلى جنب مع أزمة مناخية خانقة وخطيرة.

​ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى جفاف العيون المائية وانخفاض مناسيب المياه الجوفية في المناطق المتضررة. فالأشجار تلعب دوراً حيوياً في تنظيم الدورة المائية وحماية ضفاف النيل من التآكل والفيضانات المدمرة. ومع اختفاء الغابات المحاذية للنيل، تصبح القرى والمدن أكثر عرضة لمخاطر الفيضانات الموسمية التي تضرب البلاد. إن الطبيعة بدأت تفقد قدرتها على حماية الإنسان الذي كان يحتمي بظلها الوفير.

​لقد أصبح المشهد البيئي في السودان يحتاج إلى تدخل دولي عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثروة الغابية المتبقية. ولكن في ظل استمرار المعارك، يبدو أن الأولويات تذهب دائماً نحو الجوانب الأمنية والإغاثية العاجلة. وتظل الغابات تحترق وتختفي بصمت بعيداً عن أضواء الكاميرات واهتمام السياسيين. إن صرخة الأرض السودانية لا تجد صدى كافياً في ظل ضجيج المدافع وصراخ الضحايا والمشردين في كل مكان.

مستقبل الغطاء النباتي في ظل غياب الحلول

​إن العودة إلى غابة السنط وغيرها من الغابات في المستقبل تتطلب رؤية وطنية شاملة لإعادة التشجير وتأهيل المناطق المتضررة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو متى ستنتهي هذه المأساة التي تسمى الحرب في السودان؟ فبدون استقرار سياسي وأمني، لا يمكن الحديث عن خطط تنموية أو بيئية مستدامة. إن الإنسان والشجر كلاهما ينتظران لحظة السلام لاستعادة الأنفاس والبدء من جديد في بناء ما دمرته الأيام.

​ويظل الأمل معلقاً على وعي الأجيال القادمة بأهمية الحفاظ على ما تبقى من إرث طبيعي في بلادهم المنكوبة. كما يجب على المجتمع الدولي المساهمة في توفير بدائل طاقة نظيفة للنازحين والسكان لتقليل الضغط على الغابات والمحميات الطبيعية. إن توزيع أجهزة الطهي التي تعمل بالطاقة الشمسية أو الغاز قد ينقذ آلاف الأشجار من الفأس والحرق. وهذا يتطلب جهوداً إغاثية مبتكرة تتجاوز مجرد تقديم الغذاء والدواء للمحتاجين.

​وفي الختام، تبقى قصة غابات السودان فصلاً حزيناً من فصول النزاع الذي لم يترك أخضراً ولا يابساً إلا وطاله. إن مشهد الأرض الجرداء في قلب الخرطوم سيبقى شاهداً على مدى الدمار الذي يمكن أن تلحقه الحروب بالحضارة والطبيعة معاً. وتظل ذكرى يناير ألفين وثلاثة وعشرين طيفاً جميلاً يراود من عاشوا تلك اللحظات الخضراء قبل أن يغطيها السواد والرماد. إنها دعوة للتأمل في قيمة ما نملك قبل أن تفقده نيران الصراع.

​إن استعادة "رئة الخرطوم" ليست مجرد عملية زراعة أشجار، بل هي استعادة لروح المدينة وهويتها التي ارتبطت بالنيل والغابة. فالسودان الذي نعرفه كان دائماً أرض الخير والعطاء الطبيعي الوفير، ولا يليق به أن يتحول إلى صحراء قاحلة بسبب أطماع البشر وصراعاتهم. نأمل أن تعود الطيور البيضاء يوماً ما لتجد أغصاناً تستريح عليها، وأن يجد السودانيون ظلاً يجمعهم تحت راية السلام والوئام الدائم.

للحصول على تفاصيل إضافية حول اقتصاد الرماد: الحرب في السودان تحول الغابات إلى سلعة لفقراء النازحين - الخليج الان وغيره من الأخبار، تابعونا أولًا بأول.

أخبار متعلقة :