صندوق اقتراع وسط الركام.. دير البلح تشهد أول انتخابات محلية في غزة منذ عقدين - الخليج الان

مع تطورات جديدة صندوق اقتراع وسط الركام.. دير البلح تشهد أول انتخابات محلية في غزة منذ عقدين، نقدم لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشكل شامل ودقيق عن هذه التطورات ليوم الأربعاء 22 أبريل 2026 09:03 مساءً

Advertisements

​تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة حدثا ديمقراطيا استثنائيا يتمثل في تنظيم انتخابات محلية هي الأولى من نوعها على مستوى القطاع منذ ما يقارب العقدين. ينطلق هذا المشهد الانتخابي المنتظر يوم السبت بالتزامن مع استحقاق مماثل في مدن الضفة الغربية. يمثل هذا الحدث محطة مفصلية تعيد بعضا من ملامح الحياة السياسية التي غيبتها الانقسامات الطويلة وتداعيات الصراعات المتعاقبة.

​حسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات أنباء  فقد جاء هذا التحرك بموجب قرار رسمي أصدره رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس. تضمن القرار الدعوة العامة للمشاركة في هذا الاستحقاق مع اختيار دير البلح لتكون المنطقة الوحيدة في غزة التي تحتضن هذه العملية. يعود سبب هذا الاختيار إلى كون المدينة الأقل تضررا نسبيا مقارنة بباقي مناطق القطاع بعد حرب إسرائيلية مدمرة استمرت لعامين.

​حافظت المدينة رغم قسوة الظروف على بعض من بنيتها التحتية الأساسية التي تسمح بإقامة مثل هذا الحدث اللوجستي المعقد. تأتي هذه الخطوة لتشكل بارقة أمل وسط دمار هائل خلفته آلة الحرب الإسرائيلية منذ أكتوبر من العام قبل الماضي. يسعى المنظمون من خلال هذه العملية إلى إرساء دعائم إدارة مدنية جديدة قادرة على التعامل مع التحديات الإنسانية غير المسبوقة التي تواجه السكان والنازحين.

من يملك حق تحديد المصير

​أعلنت لجنة الانتخابات المركزية أرقاما دقيقة حول القاعدة الانتخابية المسموح لها بالمشاركة في هذا الاستحقاق التاريخي. تشير البيانات الرسمية المستندة إلى السجل المدني المعتمد إلى أن عدد من يحق لهم التصويت يبلغ نحو سبعين ألفا وأربعمائة وتسعة وأربعين ناخبا وناخبة. سيدلي هؤلاء بأصواتهم ضمن عملية منظمة تخضع لرقابة صارمة لضمان الشفافية والنزاهة في ظل ظروف استثنائية تعيشها المنطقة.

​يبدو هذا الرقم الخاص بمن يحق لهم المشاركة في أي انتخابات محلية أقل بكثير من العدد الفعلي للمقيمين حاليا في دير البلح. تعاني المدينة من تكدس هائل بمئات الآلاف من النازحين الذين فروا من ويلات القصف في مناطق شمال وجنوب القطاع. اقتصر حق التصويت على السكان الأصليين المسجلين مسبقا في السجلات المدنية الخاصة بالمدينة دون غيرهم من الوافدين الجدد.

​جهزت الجهات المعنية اثني عشر مركزا للاقتراع لاستقبال المواطنين وتسهيل عملية إدلائهم بأصواتهم. شملت هذه المراكز أراضي فارغة تم تحويلها إلى محطات اقتراع مجهزة بالخيام المؤقتة لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الناخبين. اضطرت اللجنة لهذا الإجراء الاستثنائي بسبب استمرار استخدام المدارس والمرافق الحكومية كمراكز إيواء حيوية للعائلات النازحة التي فقدت منازلها.

​يرى المواطن أدهم البرديني البالغ من العمر أربعة وثلاثين عاما أن هذه التجربة تمثل فرصة فريدة للتعبير عن الإرادة السياسية. عاش هذا الشاب وأقرانه طوال حياتهم يسمعون عن الاستحقاقات الديمقراطية دون أن يتمكنوا من ممارستها فعليا على أرض الواقع. يتوق جيل الشباب بأكمله للمشاركة في اختيار من يمثلهم أملا في تغيير الواقع المرير الذي فرضته سنوات الحرب والحصار.

​أعرب المهندس المعماري محمد مرتضى عن تفاؤله الحذر بإمكانية أن تشكل هذه الخطوة بداية حقيقية لتحسين مستوى الخدمات الأساسية المتردية. يطمح السكان أن تتجاوز القيادات الجديدة مجرد إطلاق الشعارات الرنانة للبدء في خطوات عملية ملموسة تنعكس إيجابا على حياتهم اليومية. تشمل الأولويات الملحة إصلاح شبكات الصرف الصحي المدمرة وتوفير مناطق آمنة للتخلص من النفايات بعيدا عن تجمعات الخيام السكنية المكتظة.

إدارة العملية وضوابط التنافس

​اعتمدت اللجان المختصة مائتين واثنين وتسعين مراقبا يمثلون عشر مؤسسات رقابية محلية لضمان سير العملية بنزاهة وشفافية مطلقة. جرى تخصيص خمسة وأربعين صحافيا لتغطية هذا الحدث الاستثنائي ونقل مجرياته إلى العالم الخارجي. سيعمل ستمائة وخمسة وسبعون موظفا ضمن طواقم الاقتراع المدربة لتسهيل الإجراءات وضمان تطبيق الضوابط القانونية والمهنية المعتمدة.

​أوضح جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية في قطاع غزة تفاصيل النظام المعتمد في هذا الاستحقاق. أشار إلى أن النظام الانتخابي يرتكز بشكل أساسي على آلية القوائم المغلقة التي يتنافس من خلالها المرشحون. يختار الناخب قائمة واحدة محددة ويمنح صوته لخمسة مرشحين فقط من بين الأسماء المدرجة ضمن تلك القائمة.

​سيتم تشكيل المجلس البلدي الجديد في دير البلح من خمسة عشر عضوا وهم الأفراد الحاصلون على أعلى نسبة من الأصوات. يتضمن النظام المعتمد شرطا حاسما يضمن تمثيلا نسائيا عادلا داخل المجلس البلدي القادم. ينص هذا الشرط على ضرورة ألا يقل عدد السيدات الفائزات عن أربع عضوات لضمان مشاركة فاعلة للمرأة في صنع القرار.

تحضيرات ميدانية وسط التحديات

​تمكنت الجهات المنظمة من توفير كافة صناديق الاقتراع والأوراق الرسمية الخاصة بالعملية الانتخابية رغم التحديات اللوجستية الهائلة. جرى تجهيز المراكز الانتخابية الاثني عشر وتوزيعها بشكل استراتيجي لتشمل تسع خيام وثلاث محطات داخل مؤسسات المجتمع المدني. يضم كل مركز من هذه المراكز ثماني محطات اقتراع فرعية جاهزة لاستقبال الناخبين وتسهيل تدفقهم طوال يوم السبت.

​يتوقع المراقبون أن تبدأ عملية فرز الأصوات فور إغلاق صناديق الاقتراع لتسريع إعلان النتائج التي يترقبها الجميع. أكد المسؤولون أن النتائج الأولية لهذه الجولة من أي انتخابات محلية ستصدر رسميا في صباح يوم الأحد التالي للاقتراع. يغلب على القوائم المتنافسة الطابع المستقل والعشائري وسط تنافس محتدم يعكس التركيبة المناطقية والعائلية المميزة للمدينة.

​شهدت دير البلح خلال الأيام الماضية نشاطا دعائيا مكثفا اعتمد بشكل رئيسي على منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الجمهور. قابل هذا الزخم الإلكتروني خفوت ملحوظ في التواجد الميداني الذي اقتصر على بعض الملصقات المحدودة في الشوارع. تمول القوائم المتنافسة حملاتها الانتخابية بجهود ذاتية بحتة دون الاعتماد على أي دعم مالي أو لوجستي من الفصائل السياسية المعروفة.

القوائم المتنافسة وشروط الترشح

​تتنافس في هذه الساحة الانتخابية أربع قوائم رئيسية خضع مرشحوها لدورات تدريبية متخصصة نظمتها لجنة الانتخابات المركزية. تحمل القائمة الأولى اسم السلام والبناء بينما ترفع الثانية شعار دير البلح تجمعنا سعيا لكسب ثقة الشارع. تشارك قائمة مستقبل دير البلح برؤية تطويرية وتنافسها بقوة قائمة نهضة دير البلح التي تطرح برامج إصلاحية شاملة.

​تضم كل قائمة من القوائم الأربع خمسة عشر مرشحا يمثلون مختلف شرائح المجتمع المحلي في المدينة. تلتزم كافة القوائم بالضوابط التي تفرض وجود أربع سيدات على الأقل ضمن الأسماء المرشحة لضمان التنوع. سيتم لاحقا انتخاب رئيس البلدية الجديد من بين الأعضاء الفائزين الذين سيشكلون قوام المجلس البلدي القادم.

​فرضت الجهات المسؤولة شرطا سياسيا جدليا على كافة المتقدمين للترشح يتمثل في التوقيع على تعهد رسمي ملزم. يقضي هذا التعهد بالالتزام التام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. تعتبر السلطة الفلسطينية هذا الشرط جزءا من التزامها الدولي بدعم مسار حل الدولتين الذي يواجه تحديات جمة.

التعقيدات السياسية والهاجس الأمني

​يمثل شرط الاعتراف ببرنامج منظمة التحرير قضية إشكالية عميقة مع حركة حماس التي تدير القطاع منذ سنوات. يترتب على هذا التعهد الالتزام بمواقف المنظمة السياسية والتي من بينها الاعتراف الصريح بدولة إسرائيل والاتفاقيات الموقعة معها. لم تقدم حماس أي قائمة رسمية باسمها بل قاطعت فصائل أخرى العملية مما يعكس حجم الانقسام الداخلي المستمر.

​نشطت بعض الشخصيات المرشحة سابقا في حركتي فتح وحماس لكنها فضلت تقديم نفسها في هذه الجولة بصفتها الشخصية المستقلة. ابتعد هؤلاء عن أي غطاء تنظيمي لتجنب التجاذبات السياسية الحادة التي قد تؤثر على حظوظهم في كسب الأصوات. لم يعلن أي فصيل سياسي بارز في غزة دعمه الرسمي أو العلني لأي من القوائم المتنافسة في هذه الانتخابات.

​برز تساؤل مهم حول الجهة الأمنية التي ستتولى مسؤولية تأمين مجريات الاقتراع وحماية الناخبين في ظل هذه الظروف المعقدة. أوضح المسؤولون أن الشرطة المدنية الفلسطينية التابعة فعليا للسلطات الحاكمة في غزة هي من ستتحمل هذا العبء بالكامل. رفضت هذه الأجهزة مقترحا سابقا يقضي بتوكيل مهام الحماية لشركات أمن وحراسة خاصة وأصرت على القيام بدورها السيادي.

​قررت قيادة الشرطة نشر عناصرها لتأمين مراكز الاقتراع ولكن بدون حمل أي أسلحة نارية لتجنب استفزاز الطيران الإسرائيلي. سيبتعد العناصر مسافة آمنة عن المحطات الانتخابية لتقليل مخاطر الاستهداف المباشر الذي طال أفراد الأمن مرارا خلال الحرب. سيتدخل هؤلاء العناصر فقط لفض أي إشكال طارئ ثم يعودون للانتشار الهادئ خارج الأسوار لضمان استمرار عملية التصويت.

​يعتقد المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله أن إجراء هذا الاستحقاق يمثل جهدا رمزيا كبيرا في هذا التوقيت الحساس. تصر السلطة الفلسطينية على إظهار وحدة مؤسساتها وتأكيد بقاء قطاع غزة جزءا لا يتجزأ من جغرافية الدولة الفلسطينية المنشودة. تسعى هذه التحركات لقطع الطريق أمام أي مشاريع إقليمية أو دولية تهدف إلى تكريس الانفصال الجغرافي والسياسي بين شطري الوطن.

إرث الماضي وتطلعات المستقبل

​تعود الذاكرة الجماعية للسكان إلى عام ألفين وخمسة حين أجريت آخر انتخابات محلية شاملة في قطاع غزة. حصدت حركة حماس حينها الأغلبية الساحقة في المجالس البلدية لتمهد الطريق لفوزها الكبير في الانتخابات التشريعية بالعام التالي. أحكمت الحركة سيطرتها الكاملة على القطاع في عام ألفين وسبعة بعد صراع داخلي مرير مع حركة فتح.

​اعتمدت السلطات في غزة طوال العقدين الماضيين نظام التعيين والتزكية لاختيار أعضاء اللجان البلدية بعيدا عن صناديق الاقتراع. تأتي هذه الجولة الانتخابية وقد تغيرت ملامح القطاع كليا بفعل دمار هائل أتى على الحجر والبشر. فقدت دير البلح رئيس بلديتها دياب الجرو وعشرة من موظفيها إثر قصف إسرائيلي استهدف مبنى البلدية أواخر عام ألفين وأربعة وعشرين.

​يرى العديد من المواطنين أن إقامة انتخابات محلية في هذا التوقيت الحرج تمثل فرصة نادرة لاستعادة بعض المظاهر الديمقراطية. يعبر الناخبون عن أملهم في أن تفرز هذه التجربة قيادات قادرة على تحسين الخدمات الأساسية المدمرة كالصرف الصحي وإدارة النفايات. يشعر الشباب بسعادة غامرة لمشاركتهم الأولى في صنع القرار بعد سنوات طويلة من التهميش وغياب الاستحقاقات الانتخابية.

​يشعر بعض المواطنين من خارج دير البلح بخيبة أمل لاقتصار هذه التجربة على منطقة جغرافية واحدة دون باقي محافظات القطاع. يدرك الجميع في الوقت ذاته أن حجم الدمار الهائل والنزوح الكبير جعل من المستحيل تطبيق هذه العملية بشكل شامل وموسع. تبقى الآمال معقودة على نجاح هذه التجربة الجزئية لتكون نموذجا ملهما يمهد الطريق لعودة الحياة الديمقراطية إلى كافة المدن الفلسطينية.

​تتجه أنظار المراقبين محليا ودوليا إلى هذا الحدث الاستثنائي لتقييم مدى نجاح هذه التجربة الديمقراطية الوليدة وسط الركام. يعول الجميع على وعي المواطن الفلسطيني وقدرته على اختيار ممثليه الأكفاء لتجاوز المرحلة الأصعب في تاريخ المدينة المنكوبة. ستبقى هذه التجربة محفورة في الذاكرة كدليل ساطع على إرادة الحياة التي تقهر دائما كل محاولات الطمس والإبادة.

للحصول على تفاصيل إضافية حول صندوق اقتراع وسط الركام.. دير البلح تشهد أول انتخابات محلية في غزة منذ عقدين - الخليج الان وغيره من الأخبار، تابعونا أولًا بأول.

أخبار متعلقة :