دولة بلا رأس واحد.. تفكك هرم السلطة في إيران وصعود دولة «الجزر المنعزلة» - الخليج الان

مع تطورات جديدة دولة بلا رأس واحد.. تفكك هرم السلطة في إيران وصعود دولة «الجزر المنعزلة»، نقدم لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشكل شامل ودقيق عن هذه التطورات ليوم الاثنين 11 مايو 2026 10:08 صباحاً

Advertisements

تشهد الساحة السياسية في إيران اليوم تحولات جذرية أدت إلى تلاشي الوجه الواحد والواضح للسلطة المركزية التي كانت مهيمنة سابقا على مفاصل الدولة حيث لم يعد من الممكن حصر مراكز القرار في جهة واحدة مثل مكتب المرشد أو الحكومة أو قيادة الحرس الثوري وحدها نتيجة للظروف القاسية التي تلت المواجهة العسكرية الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وما تبعها من خسائر قيادية فادحة أربكت المشهد العام

وحسب تقرير لإذاعة فردا الأميركية التي تبث بالفارسية من العاصمة التشيكية براغ فإن فهم آليات الحكم الحالية في إيران بات يتطلب غوصا في بنية معقدة ومتشعبة لصنع القرار وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حين أشار إلى وجود خلل بنيوي عميق داخل هيكل القيادة جعل الاستجابة لأي مقترح سياسي أو عسكري تتطلب أياما طويلة من المداولات المعقدة بين مختلف المستويات المتصارعة والمشتتة

وأوضح المسؤولون الأميركيون في تصريحاتهم الأخيرة أن النظام في إيران يواجه حالة من الشلل النسبي في اتخاذ القرارات المصيرية نظرا لضرورة تمرير كل التفاصيل عبر هيكل القيادة المتعدد الطبقات للوصول إلى رأس الهرم والحصول على الموافقة النهائية وهذا التعقيد البيروقراطي والأمني ازداد بشكل ملحوظ بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القيادية خلال العمليات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع استراتيجية وحساسة في البلاد

ويعاني نظام الحكم في إيران من انقسامات داخلية عميقة أصبحت أكثر وضوحا وعلانية في الوقت الراهن حيث تبرز تيارات متشددة تدرك ضرورة إدارة الدولة والاقتصاد ببراغماتية معينة لضمان البقاء مقابل تيارات أخرى تتحرك بدوافع عقائدية بحتة ترفض التنازل أو الليونة مما يخلق حالة من التضارب في التوجهات الاستراتيجية والسياسات العامة التي تنتهجها المؤسسات المختلفة في ظل غياب التنسيق الكامل والفعال

وتتوزع مراكز القوة الفعلية داخل المنظومة الحاكمة بين مكتب المرشد ومؤسسة الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية المتعددة والحكومة الرسمية وشبكات النفوذ الواسعة المرتبطة بشخصية مجتبى خامنئي الذي بات يلعب دورا محوريا خلف الستار مما يجعل من الصعب تحديد جهة واحدة تنفرد بتجسيد السلطة كاملة أو تملك القدرة على فرض رؤيتها الشمولية على بقية الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي

مجتبى خامنئي وغموض خلافة المرشد في إيران

يمثل الوضع الغامض الذي يحيط بمجتبى خامنئي أحد أكبر التحديات التي تواجه فهم تراتبية السلطة في إيران حاليا فبالرغم من توليه الموقع الأعلى في الهرم السياسي بشكل غير رسمي إلا أنه يواجه اتهامات وتساؤلات حول مشروعية توريث القيادة وغيابه شبه الكامل عن الظهور العلني أمام الجماهير أثار موجة من الانتقادات الواسعة التي تعتبر هذا المسار تحولا خطيرا من نظام يرفض الوراثة السياسية تاريخيا

وتشير التقارير الاستخباراتية والميدانية إلى أن مجتبى خامنئي كان يمارس أدوارا مؤثرة وحساسة في إدارة الملفات الاستراتيجية للدولة قبل الحرب بما في ذلك الإشراف المباشر على الأجهزة العسكرية والأمنية الحساسة وعقد الاجتماعات التنسيقية الكبرى ولكن تعرضه لإصابة خلال الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع قيادية عليا زاد من حالة الغموض والشكوك حول قدرته الفعلية على ممارسة مهامه القيادية في هذا التوقيت الحرج والمفصلي

وفي المقابل تسعى المصادر الرسمية داخل الجهاز الإعلامي للنظام إلى نفي وجود أي فراغ قيادي عبر التأكيد على أن إصابة مجتبى طفيفة وأنه يواصل إدارة شؤون الدولة من خلف الكواليس وبشكل يومي مستمر إلا أن غياب أي تسجيلات مصورة أو صوتية حديثة له يعمق من أزمة الثقة ويزيد من التكهنات حول طبيعة الدور الذي يلعبه حاليا في ظل وجود مراكز قوى أخرى تطمح للمشاركة

وتطرح هذه الحالة الضبابية إشكاليات دستورية وقانونية معقدة تتعلق بالمادة مئة وإحدى عشرة من الدستور التي تنظم آلية انتقال الصلاحيات في حال عجز المرشد عن أداء مهامه لأي سبب كان وهو ما يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات حول من يمتلك الصلاحية الفعلية لإدارة المرحلة الانتقالية الحالية وهل ستلتزم المؤسسات العسكرية والأمنية بالنصوص الدستورية الجامدة أم ستلجأ إلى فرض واقع سياسي جديد يتناسب مع مصالحها ونفوذها المتزايد

وإلى جانب المؤسسات الرسمية تبرز طبقة أمنية وسياسية غير معلنة تتمثل في شبكة معقدة من الشخصيات القوية المرتبطة مباشرة بمجتبى خامنئي ومن أبرز هؤلاء حسين طائب الذي لا يزال يتمتع بنفوذ هائل داخل دوائر القرار الأمني الحساسة رغم إبعاده رسميا عن منصبه السابق في استخبارات الحرس الثوري مما يؤكد وجود حكومة ظل تدير الكثير من الملفات بعيدا عن الأعين وبشكل غير تقليدي في العمل المؤسساتي

وتفيد المعطيات المتوفرة بوجود اجتماعات دورية تضم شخصيات أمنية بارزة لمناقشة ملفات سياسية وانتخابية وإدارية مصيرية مما يعكس الدور المحوري لهذه الشبكة الخفية في التأثير غير المباشر على بنية القرار السيادي للدولة ويبدو أن هذه الحلقة الأمنية المحيطة بالقيادة أصبحت أكثر حضورا وقوة بعد الحرب نتيجة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة وتآكل سلطة المؤسسات المدنية التقليدية لصالح الأجهزة الأمنية والعسكرية ذات القبضة الحديدية

ويعد الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي العمود الفقري للسلطة الفعلية في هذه المرحلة الانتقالية والحرجة بخاصة بعد التحول الأمني الشامل الذي فرضته نتائج الحرب الأخيرة حيث جرت العادة في أوقات الأزمات الكبرى أن تنتقل مراكز القرار تدريجيا من المؤسسات المدنية إلى البنى العسكرية والأمنية التي تمتلك القدرة على التحرك السريع والسيطرة الميدانية المباشرة مما يعزز من دور الجنرالات في رسم مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي

تحديات الحرس الثوري وتداخل الصلاحيات العسكرية

لا يمكن النظر إلى الحرس الثوري في الوقت الراهن باعتباره كتلة واحدة متماسكة وخالية من الانقسامات الداخلية العميقة بل إنه تحول بمرور الوقت إلى مجموعة من الجزر المنفصلة ومراكز النفوذ والمصالح المتنافسة التي تصارع من أجل البقاء وحماية مكتسباتها الاقتصادية والسياسية الهائلة وهذا التشظي الداخلي يجعل من الصعب التنبؤ بسلوك هذه المؤسسة في حال نشوب صراعات كبرى على قمة الهرم القيادي في البلاد

وترتبط ملفات الأمن الداخلي وقمع الاحتجاجات الشعبية والقدرات الصاروخية المتطورة وبرامج الطائرات المسيرة والنفوذ الإقليمي الواسع عبر محور المقاومة بشكل مباشر وصارم بالحرس الثوري الذي يمتلك أيضا شبكات مالية ومؤسسات اقتصادية ضخمة تغلغلت في كافة مفاصل الاقتصاد الوطني مما يجعله دولة داخل الدولة تمتلك مواردها المستقلة وقرارها السيادي الخاص الذي قد يتعارض أحيانا مع توجهات الحكومة الرسمية أو بعض الدوائر السياسية في مكتب المرشد

وتكشف قضايا الفساد المالي الكبرى مثل ملف شركة ياس القابضة عن طبيعة الصراعات الخفية والعلنية بين أجنحة الحرس الثوري المختلفة حيث ظهرت تسجيلات صوتية لقادة كبار يناقشون ملفات فساد مالي وإداري تورطت فيها شخصيات نافذة ومرموقة مما يؤكد أن التنافس داخل هذه المؤسسة العسكرية لا يقتصر على الأدوار الأمنية بل يمتد ليشمل السيطرة على الثروات والموارد المالية وتوزيع الحصص الاقتصادية بين الشبكات المرتبطة بمراكز القوى

شخصية هجينة تجمع بين الخلفية العسكرية والخبرة الإدارية

وفي هذا السياق المعقد يبرز اسم محمد باقر قاليباف كأحد أبرز الفاعلين القادرين على المناورة والبقاء داخل هذه الشبكات المتداخلة فهو يمثل شخصية هجينة تجمع بين الخلفية العسكرية القوية في الحرس الثوري والخبرة الإدارية الطويلة في رئاسة بلدية طهران والعمل التشريعي كرئيس للبرلمان مما يجعله جسرا حيويا للتواصل والتنسيق بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الرسمية للدولة في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد حاليا

وتؤدي قيادة خاتم الأنبياء المركزية برئاسة علي عبداللهي دورا محوريا وحاسما في إدارة العمليات العسكرية والتنسيق الميداني المباشر في أوقات الحرب والطوارئ القصوى حيث تعمل هذه القيادة ضمن منظومة أوسع تشمل المجلس الأعلى للأمن القومي مما يجعلها مركزا أساسيا في صنع القرار العسكري والعملياتي وهذا الواقع يؤكد أن السلطة العسكرية ليست محصورة في يد جهة واحدة بل موزعة بين هياكل قيادية متعددة ومتداخلة تشمل الجيش النظامي أيضا

وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بمكتب المرشد خلال الهجمات الأخيرة إلا أنه لا يزال يحتفظ بأهمية حيوية ورمزية كبرى داخل بنية النظام باعتباره المصدر الأساسي للشرعية السياسية والدينية والجهة المسؤولة عن التعيينات العليا في مفاصل الدولة ولكن الفارق الجوهري في المرحلة الحالية يتمثل في طبيعة النفوذ الشخصي للقيادة الجديدة التي تفتقر إلى الكاريزما والرصيد السياسي والرمزي الذي كان يتمتع به المرشد الراحل علي خامنئي

ويجد مجتبى خامنئي نفسه مضطرا لإدارة توازنات معقدة وحساسة للغاية بين مراكز القوى المتعددة في الحرس الثوري والشبكات الأمنية النافذة والشخصيات السياسية الطموحة مما يجعل دوره في الوقت الراهن أقرب إلى إدارة التوازنات والتحكيم بين الأطراف المتنافسة منه إلى الحكم المباشر والقيادة المطلقة التي كانت تميز عهد والده وهذا التغير في نمط القيادة يساهم في زيادة حالة السيولة السياسية داخل بنية النظام الحاكم

الحكومة الرسمية ودور المؤسسات في ظل الطوارئ

تبدو حكومة الرئيس مسعود بزشكيان في ظل هذه المعطيات المعقدة أقرب إلى جهاز إداري وتنفيذي مخصص لإدارة شؤون الدولة اليومية وتقديم الخدمات العامة وتسيير الاقتصاد المنهك أكثر من كونها مركزا حقيقيا لصناعة القرار الاستراتيجي والسيادي فهي لا تملك القول الفصل في ملفات الحرب والسلم أو السياسة النووية الحساسة أو العلاقات الإقليمية المعقدة التي تظل حكرا على الدوائر الأمنية والعسكرية المقربة من مكتب القيادة العليا

ولا ينظر إلى الرئيس الحالي كفاعل رئيسي ومؤثر داخل مراكز القوة الحقيقية بل يتم التعامل معه كمنفذ للسياسات العامة التي يتم رسمها في غرف مغلقة ومع ذلك تظل الحكومة قادرة على التأثير غير المباشر عبر السيطرة على الموازنة العامة والبيروقراطية الحكومية الواسعة مما قد يجعلها عاملا مرجحا في صراعات النفوذ المستقبلية بين الأجنحة المتصارعة التي تحتاج إلى الغطاء القانوني والمالي الذي توفره مؤسسات الدولة الرسمية

صياغة القرارات الأمنية الكبرى والتوجهات الاستراتيجية

ويمثل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني المطبخ الحقيقي لصياغة القرارات الأمنية الكبرى والتوجهات الاستراتيجية العليا للدولة حيث تلتقي فيه كافة رؤوس السلطة العسكرية والسياسية والأمنية لتنسيق المواقف وإدارة الأزمات أما السلطة القضائية بقيادة غلام حسين محسني إيجئي فتعمل كذراع تنفيذية قوية وفعالة للعقاب وتثبيت أركان النظام وقمع أي محاولات للخروج عن الخطوط الحمراء المرسومة خاصة في أوقات الاضطرابات الأمنية والسياسية التي تتبع الحروب

وخلصت التقارير التحليلية إلى أنه لا يمكن اختزال السلطة في المنظومة الحاكمة حاليا في مركز واحد أو جهة بعينها بل هي منظومة ديناميكية متعددة المستويات تتداخل فيها المصالح والمواقع بشكل فريد واستثنائي وهذه الطبيعة المعقدة للنظام تجعله يعمل وفق شبكة من الدوائر الدينية والأمنية والعسكرية المتنافسة بدلا من الهرم التقليدي الواضح مما يساهم في إطالة أمد اتخاذ القرارات ولكنه في الوقت نفسه يوفر نوعا من المرونة في مواجهة الضغوط

وفي ظل وجود مكتب قيادة مثقل بالضغوط الداخلية والخارجية وحرس ثوري متشعب البنى والاهتمامات ومجلس أمن قومي يغلب عليه الطابع الأمني الصرف تتحرك شخصيات مثل قاليباف وبزشكيان وإيجئي بين هذه المستويات المتداخلة مستفيدة من فراغات القوة التي خلفتها الحرب والتحولات القيادية الكبرى وتبدو السلطة اليوم في حالة بحث مستمر عن توازن جديد يضمن بقاء النظام واستقراره في ظل مشهد إقليمي ودولي شديد العدائية والاضطراب

إن تراجع مركزية الواجهة التقليدية للقيادة وصعود شبكات النفوذ غير المعلنة جعل من الصعب على المراقبين الخارجيين التنبؤ بالخطوات القادمة للنظام الإيراني حيث أصبحت القرارات تمر عبر قنوات خلفية غير رسمية تعكس موازين القوى اللحظية بين الجنرالات ورجال الدين والتكنوقراط وهذا التداخل يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويجعل الدولة أقرب إلى منظومة تبحث عن الاستقرار المفقود وسط أمواج متلاطمة من التحديات المصيرية التي تهدد كيانها وبقاءها التاريخي

للحصول على تفاصيل إضافية حول دولة بلا رأس واحد.. تفكك هرم السلطة في إيران وصعود دولة «الجزر المنعزلة» - الخليج الان وغيره من الأخبار، تابعونا أولًا بأول.

أخبار متعلقة :