مع تطورات جديدة تقرير يكشف كواليس المأزق السياسي الذي يواجهه حزب الله في معادلة الحكم اللبنانية، نقدم لكم كل ما تحتاجون إلى معرفته بشكل شامل ودقيق عن هذه التطورات ليوم الجمعة 29 مايو 2026 12:03 صباحاً
شهدت الساحة السياسية اللبنانية تحولات جذرية وممتدة منذ انخراط حزب الله في العمل النيابي والتشريعي عام 1992، حيث تطور دور الحزب تدريجياً من لاعب برلماني محدود التأثير إلى رقم صعب وطرف أساسي في معادلة الحكم، ولم يتجه الحزب نحو المشاركة المباشرة في الحكومات إلا بحلول عام 2005، وذلك في أعقاب التداعيات الضخمة التي خلفها اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، وما تلاه من انسحاب كامل للجيش السوري من الأراضي اللبنانية، مما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع على السلطة وتوازناتها المقيدة.
وحسب تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية فإن حزب الله سعى منذ ذلك المنعطف التاريخي إلى فرض سطوته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، حيث ابتدع الحزب مفهوماً سياسياً جديداً عُرف باسم الثلث المعطل، مستنداً إلى ضرورة التوافقية في اتخاذ القرارات المصيرية داخل مجلس الوزراء، ومستحوذاً بالتحالف مع حركة أمل على كامل الحصة الوزارية المخصصة للطائفة الشيعية، واستُخدمت هذه الحصة كورقة ضغط مستمرة ومحورية لإسقاط الحكومات، أو شل قدرتها التنفيذية، ومنعها من اتخاذ أي قرارات لا تحظى بموافقة قيادة الحزب وحلفائه.
لذلك لم تكن المواقف الأخيرة للأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم مفاجئة للمراقبين، إذ اعتبر أن من حق الجماهير النزول إلى الشوارع لإسقاط الحكومة الحالية، وإحباط ما وصفه بالمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، وهو خطاب يترجم بدقة الأداء التاريخي المستمر الذي يتبعه حزب الله في التعامل مع السلطة التنفيذية، وتزامن ذلك مع تصريحات عضو المجلس السياسي محمود قماطي، الذي أكد بوضوح أن أي أغلبية حكومية تسعى لضرب المقاومة هي مجرد جهة عابرة تذهب وتأتي، بينما يرى الحزب نفسه القوة المتجذرة والثابتة.
المحطات التاريخية لسياسة التعطيل وسيناريوهات إسقاط الحكومات
وتعود المحاولة الأولى التي قادها حزب الله لمحاصرة السلطة التنفيذية بهدف إسقاطها إلى أواخر عام 2006، حين قرر الحزب بالتعاون مع حركة أمل سحب جميع وزرائهما من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وجاءت تلك الخطوة الاحتجاجية اعتراضاً على توجه الحكومة نحو التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة قتلة الحريري، حيث اعتبر الحزب أن الحكومة باتت فاقدة للميثاقية الوطنية، ونظم مع التيار الوطني الحر اعتصاماً طويلاً في وسط بيروت، إلا أن السنيورة تمسك باستمرار أعمال حكومته.
وتصاعدت الأزمة السياسية لتتحول إلى مواجهة ميدانية وعسكرية شاملة في مايو من عام 2008، عندما تحرك حزب الله عسكرياً في شوارع العاصمة بيروت وبعض مناطق جبل لبنان، وجاء هذا التحرك الميداني رداً على قرارات حكومية اعتبرت شبكة الاتصالات السلكية الخاصة بالحزب غير شرعية، وأدت هذه الأحداث الدامية إلى تدخل إقليمي عاجل أسفر عن اجتماع القوى اللبنانية في العاصمة القطرية، وصدور اتفاق الدوحة الذي شرعن رسمياً حصول الحزب وحلفائه على الثلث المعطل داخل مجلس الوزراء اللبناني.
واستثمر حزب الله هذا المكسب الدستوري والسياسي الجديد لإطاحة الحكومات التي لا تتماشى مع توجهاته، وهو ما تُرجم فعلياً وبشكل دراماتيكي في مطلع عام 2011، حين أقدم الحزب بالتنسيق مع حلفائه في قوى الثامن من آذار على تقديم استقالات جماعية لوزرائهم، وتمت هذه الخطوة بالتزامن مع دخول رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري إلى البيت الأبيض لمقابلة الرئيس الأمريكي، مما أدى فوراً إلى فقدان الحكومة لنصابها القانوني والدستوري، وسقوطها بشكل مباشر وصادم.
حكومة نواف سلام والتحرر من معادلة الثلث المعطل
وتوالى بعد ذلك تشكيل الحكومات اللبنانية التي يمتلك فيها حزب الله وحلفاؤه حصة الثلث الضامن، مما أتاح لهم التحكم الكامل بقرارات ومصير ست حكومات متعاقبة أُشرفت على إدارة البلاد منذ عام 2011، وصولاً إلى تشكيل الحكومة الحالية برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام، والتي سجلت تحولاً استثنائياً باعتبارها أول حكومة تتحرر من سطوة الحزب منذ عام 2008، حيث تخلت تشكيلتها عن صياغة الثلث المعطل التقليدية، وصيغت على قواعد توازنات جديدة قلصت نفوذ التعطيل.
ونتيجة لهذا التغير الهيكلي الجديد في موازين القوى السياسية داخل مجلس الوزراء، فشل حزب الله في فرض فيتو مانع ضد القرارات السيادية والأمنية، حيث تمكنت حكومة سلام من اتخاذ قرارات حاسمة تؤكد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية الشرعية، كما تضمنت القرارات اعتبار الأجنحة المسلحة الخارجة عن إطار الدولة غير شرعية، ورغم الهجوم العنيف والرفض القاطع الذي أبداه الحزب تجاه هذه التوجهات، إلا أنه لم يمتلك القدرة الدستورية لمنع صدورها.
ويرى رئيس تحرير موقع جنوبية الكاتب السياسي علي الأمين، أن حزب الله اعتمد لسنوات طويلة على بدعة الثلث الضامن، والميثاقية، والتوافق، لابتزاز الحكومات وتحقيق مكاسب استراتيجية، مستدركاً أن المعادلات السياسية انقلبت تماماً في المرحلة الأخيرة، وبالتحديد داخل الحكومة الحالية التي تشكلت وفق أسس مختلفة تعكس التوازنات الجديدة على الساحتين المحلية والإقليمية، مما حد من قدرة الحزب التقليدية على فرض شروطه وإملاءاته السياسية كما كان يفعل في السابق.
حدود التهويل السياسي ومأزق الخيارات الراهنة للحزب
ويؤكد الأمين في تصريحاته الخاصة أن حزب الله قد يلوح بورقة الشارع ويدعي القدرة على إسقاط الحكومة الحالية، لكنه يدرك في عمق تقديراته السياسية أن إعادة تشكيل حكومة جديدة تخضع لشروطه بالكامل أمر بات غير متاح إطلاقاً في الوقت الراهن، لذلك فإن التهديدات الحالية الصادرة عن قيادة الحزب لا تتعدى كونها محاولات للتهويل والصراخ الإعلامي، وهي تعبير واضح عن المأزق الكبير والخناق السياسي الذي يعيشه الحزب ويتنقل بين ثناياه.
ويظهر هذا المأزق جلياً في الخطاب المتناقض الذي يقدمه الشيخ نعيم قاسم، الذي يوازن بصعوبة بين لغة التهديد التصعيدية والواقع السياسي المعقد، لا سيما وأن رئيس مجلس النواب نبيه بري ليس في وارد مجاراة أو ملاقاة حزب الله في خطوة التصعيد الميداني أو إسقاط الحكومة، مما يعني غياب الغطاء الشيعي الكامل عن أي مغامرة لإسقاط المؤسسات التنفيذية، وهو ما يغلق الباب نهائياً أمام فرصة الحزب لتعديل السياسات الراهنة.
وفي ظل هذا الانسداد السياسي الداخلي، تظل قدرة حزب الله على المناورة محكومة بسقوف التوازنات الإقليمية والمحلية الجديدة التي فرضت نفسها على المشهد اللبناني، حيث تفتقد التهديدات الموجهة ضد السراي الحكومي إلى الحواضن السياسية والشعبية الضرورية لترجمتها، مما يضع الحزب أمام واقع سياسي مغاير يتطلب التعامل مع حكومة تمتلك شرعية القرار وتتحرك خارج وصاية التعطيل، وهو ما يعزز استقرار التوجهات السيادية للدولة اللبنانية في مواجهة الضغوط.
للحصول على تفاصيل إضافية حول تقرير يكشف كواليس المأزق السياسي الذي يواجهه حزب الله في معادلة الحكم اللبنانية - الخليج الان وغيره من الأخبار، تابعونا أولًا بأول.
أخبار متعلقة :